ابن الجوزي

297

زاد المسير في علم التفسير

وفي معنى ( إلى الأرض ) ثلاثة أقوال : أحدها : تثاقلتم إلى شهوات الدنيا حين أخرجت الأرض ثمرها ، قاله مجاهد . والثاني : اطمأننتم إلى الدنيا ، قاله الضحاك . والثالث : تثاقلتم إلى الإقامة بأرضكم ، قاله الزجاج . قوله تعالى : ( أرضيتم بالحياة الدنيا ) أي : بنعيمها من نعيم الآخرة ، فما يتمتع به في الدنيا قليل بالإضافة إلى ما يتمتع به الأولياء في الجنة . إلا تنفروا يعذبكم عذابا أليما ويستبدل قوما غيركم ولا تضروه شيئا والله على كل شئ قدير ( 39 ) قوله تعالى : ( إلا تنفروا يعذبكم ) سبب نزولها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما حثهم على غزو الروم تثاقلوا ، فنزلت هذه الآية ، قاله ابن عباس . وقال قوم : هذه خاصة فيمن استنفره رسول الله فلم ينفر ، قال ابن عباس : استنفر رسول الله حيا من أحياء العرب فتثاقلوا عنه ، فأمسك عنهم المطر فكان عذابهم . وفي قوله [ تعالى ] : ( ويستبدل قوما غيركم ) وعيد شديد في التخلف عن الجهاد ، وإعلام بأنه يستبدل لنصر نبيه قوما غير متثاقلين . ثم أعلمهم أنهم إن تركوا نصره لم يضروه ، كما لم يضرره ذلك إذ كان بمكة . وفي هاء " تضروه " قولان : أحدهما : أنها ترجع إلى الله ، والمعنى : لا تضروا الله بترك النفير ، قاله الحسن . والثاني : أنها ترجع إلى رسول الله ، فالمعنى : لا تضروه بترك نصره ، قاله الزجاج . فصل وقد روي عن ابن عباس ، والحسن ، وعكرمة ، قالوا : نسخ قوله [ تعالى ] : ( إلا تنفروا يعذبكم عذابا أليما ) بقوله : ( وما كان المؤمنون لينفروا كافة ) وقال أبو سليمان الدمشقي : ليس هذا من المنسوخ ، إذ لا تنافي بين الآيتين ، وإنما حكم كل آية قائم في موضعها . وذكر القاضي أبو يعلى عن بعض العلماء أنهم قالوا : ليس هاهنا نسخ ، ومتى لم يقاوم أهل الثغور العدو ، ففرض على الناس النفير إليهم ، ومتى استغنوا عن إعانة من وراءهم ، عذر القاعدون عنهم . وقال قوم هذا في غزوة تبوك ، ففرض على الناس النفير مع رسول الله صلى الله عليه وسلم .